تلفيتا

*أصل تسميتها:

تقع مساكن القرية على تل يدعى (تل فتى ) أخذت تسميتها منه وفي أحد الكهوف القديمة الموجودة في القرية صورة لفتى يحمل مشعلاً في يده منحوتة في الصخرة .

وعرفها ياقوت الحموي فقال : تلفيتا بالتاء المثناة من فوق الألف : من قرى سنير من أعمال دمشق . وهناك من يقول أن تلفيتا تعني تل الفيء لكثرة غاباتها القديمة .

*الموقع والحدود :

تتصدر تلفيتا موقعا جميلا في الهضبة القلمونية الوسطى على السفوح الشرقية للسلسلة العليا من جبال القلمون وترتفع 1480م عن سطح البحر على يمين الطريق العام الهابط من سهل صيد نايا نحو دمشق وتقع على الأطراف الغربية لسهل صيد نايا.

تبعد عن دمشق 30كم شمالا وتحدها صيد نايا من الشرق وبينهما 5كم ومن الجنوب منين وبينهما 7كم ومن الجنوب الغربي حلبون وبينهما 12كم ومن الجنوب الشرقي معرة صيد نايا وبينهما 7كم وتحيطها من الشمال والشمال الغربي مرتفعات السلسلة العليا (العقبة وجبل المربع وغيرها ) التي تفصلها عن سهل رنكوس تتبع مركز منطقة التل التي تبعد عنها 15كم .

* لمحة عن تاريخها ونشاط سكانها :

تلفيتا قرية قديمة العهد عريقة في القدم بدليل الشواهد الحضارية المتنوعة الموجودة على أرضها حيث تقبع منازلها القديمة فوق مغر وكهوف وجد في بعضها كتابات منقورة في الصخر وكان فيها دير قديم يدعى دير العشايا ومنزل منحوت في الصخر على نمط مساكن الأنباط وقبور صخرية قديمة نقشت عليها رسوم مختلفة ويوجد حولها عدد من القرى القديمة الداثرة (خرب ) وفيها آثار لمعصرتي عنب ومعصرتي دبس.

ويبدو أن هذه القرية قد تعرضت للدمار وأعيد بناؤها أكثر من مرة فقد سكن موقعها قديما عائلتان صغيرتان أفنوا بعضهما من كثرة الاقتتال ودثرت القرية ثم توارد على هذا الموقع بعض سكان القرى المجاورة وأعادو أعمارها ثانية .

ويتميز سكانها بشدة بأسهم وجلاد تهم وكانوا في السنين الغابرة يعيشون حالة صراع دموي مستمر مع جيرانهم أهل صيد نايا وخاصة أثناء وجود الفرنسيين في هذه البلاد الذين كانوا يغدون النعرات الطائفية على خلفية الجهل والتخلف عند السكان ومع رحيل المستعمر وتطور الوعي وانفتاح العقول على الثقافة والحضارة انتفت مظاهر ذاك الصراع وكأنه لم يكن .

وجديرة بالذكر أن اسم هذه القرية لمع بشكل كبير واشتهرت شهرة عظمية وجرى ذكرها على لسان كبار المؤرخين بفضل أحد أبنائها الأشداء ويدعى "قسام الحارثي" الذي دخل اسمه التاريخ من أوسع أبوابه بعد أن تسيد مدينة دمشق لسنين عدة في عهد الفاطميين منذ ذلك الحين لم يجر قلم في تاريخ دمشق إلا وذكر باسبها قسام وقريته تلفيتا وقصة تسيده درة الشرق دمشق .

كتب المؤرخ جمال الدين يوسف بن تعزي بردي الأتابكي (813هـ-874هـ) يقول : " ولما تم أمر العزيز بمصر واستفحل أمره وأخذ في تمهيد أمور بلاده خرج عليه قسام الحارثي وغلب على دمشق جبل سنير كان ينقل التراب على الحمير وتنقلب به الأحوال حتى صارله ثروة وأتباع وغلب بهم على دمشق حتى لم يبق لنوابها معه أمر ولا نهي ودام على ذلك سنين فلما ملك العزيز وعظم أمره أراد زواله فندب إليه جيشا مع تكين وسار تكين إليه وحاربه أياما وصار العزيز يمده بالعساكر إلى أن ضعف أمر قسام واختفى أياما ثم استأمن فقيده وحملوه إلى العزيز إلى مصر "

وجاء في تاريخ دمشق لابن القلانسي ما يلي:

" السبب في غلبة قسام على ولاية دمشق أن الفتكين المغربي المذكور كان قد استخدمه وقدمه واعتمد عليه وسكن في كثير من أمره إليه فصار له صيت يخشى به وبرجاله .واتفق خلو البلد من أكابر الولاة بعد الفتكين وفراغه من شجعان الرجال وكان فيه المعروف بحمدان قد وليه وأمر فيه ونهى واخذ وأعطى ففسد الأمر بين قسام وبين حميدان فصار حميدان من تحت حكم قسام لقهره له بكثرة من معه من الأحداث واستيلائه على البلد فطرده قسام عن الولاية ونهب أصحابه ماكان في داره وخرج هاربا فتمكن قسام من البلد واستقامت حاله واجتمعت إليه الرجال وكثر مافي يده وقويت شوكته وتضاعفت عدته وعدته وولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر يسير وهو ضميمة لقسام .

واتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين الدليم والعرب من بني حمدان وهروب أبي الغضنفر بن حمدان في البرية والجبال إلى أن خرج إلى حوران فقصد دمشق ونزل عليها فمنع قسام من دخول أحد من  رجاله إليها ووصل كتاب العزيز (ملك مصر) بالمنع له من البلد فسأل أبو تغلب عامل الخراج بدمشق أن يمكن أصحابه البلد وقد كان طمع أن يوليه العزيز وكان قسام قد خاف من ذلك وسعى قوم بينهما وكان تغلب نازلا بالمزة فلأقام بها شهورا فشق مقامه وظن أنه يلي البلد فلما كان في بعض الأيام وقف رجل من العجم من أصحاب أبن تغلب في باب الجابية وكان نشوانا فجرد سيفه وقال: إلى كم يكون هذا العيار فعظم ذلك على قسام وتخوف أن يكون لأبي تغلب سلطته فيملكه ومن معه ففسد الأمر بينهما بهذا السبب وتقدم قسام إلى أصحابه بأخذ كل من يدخل من أصحاب أبي تغلب فكمنوا في خراب قينية فآخذو منهم نحو سبعين رجلا وقتلو منهم جماعة وعاد من أفلت منهم إلى أبي تغلب عراة قد أخذت ثيابهم ودوابهم فلم يتمكن أبي تغلب من شئ يفعله وكتب إلى مصر بذلك .

وكتب قسام إلى مصر يذكر أن أبا تغلب قد حضر دمشق ومد يده في الفوطة وخرج من مصر غلام لابن يقال له الفضل بن أبي الفضل في عسكر كثيف للحلة على أبي تغلب وإهلاكه "

ويضيف القلانسي قائلا " وفي سنة 369هــ خرج العسكر المصري مع القائد سليمان بن جعفر بن فلاح في أربعة آلاف من المغاربة ووصل إلى دمشق فصادف قساما قد غلب عليها فنزل في بستان الوزير بزقاق الرمان وعسكر حوله في دور هناك ، فثقل أمره على قسام وطال مقامه في غير شيء وقلت نفقته ورام أن يظهر صرامه فيتمكن من البلد فقال قسام : لا يحملن أحد سلاحا فأبو ذلك فبعث إلى الفوطة من يتلوها ويمنع من خفارة تؤخذ منها وحمل السلاح فيها فأعلم قسام ومن معه إلى الجامع وصاروا إلى البستان فيه سليمان فأخرجوهم وخرج سليمان وأصحابه إلى الدكة ونزل على نهر يزيد وقسام جالس في الجامع ولم يشهد الحرب مع أصحابه وقد أحضر المشايخ وكتب ما جرى إلى مصر وعمل محضرا على نفسه أنه " متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب وقاتله ليكون لك معونة على ما يريده " فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه وأنفذ رسله وكتابه إلى سليمان بن فلاح يأمره بالرحيل عن دمشق فرحل عنها وكان مقامه بها شهورا من سنة 369 ورجع القائد أبو محمود إلى دمشق "

" وفي سنة 371هــ كان بشارة والي طبرية نازلا مع عسكره خارج دمشق نحو مسجد إبراهيم عليه السلام وقد جاء مناصرا لابن الجراح وحاصروا دمشق وكانت المراسلة بينهم وبين قسام أن يسلم البلد ويكون هو آمنا على نفسه ومن معه فقال لا أسلم البلد وضبط أصحابه فلما كان يوم الثلاثاء التاسع عشر من محرم سنة373 وقع بين قوم من أصحاب قسام وقوم من أصحاب القائد عند باب الحديد فظهر عليهم أصحاب بشارة وأقبل في غد أصحاب بن الصمصامة فخرج أصحابه ( أي قسام ) إليهم فطردهم ثم نشبت الحرب " ثم يصف الكاتب الخراب الذي أصاب دمشق وكيف هزم قسام ودخل عسكر يلتكين دمشق واقتيد قسام إلى مصر فعفى الملك العزيز عنه . وتذكر بعض المصادر أن العزيز عوضه موضعا عاش فيه وأحسن صلته به وهناك رواية تنسب قرية القسيمية التي دثرت ونشأة مكانها مدينة التل إلى قسام الحارثي أنه أمضى فيها بقية حياته .

وكان عبد المحسن الصوري قد نظم قصيدة يمدح فيها قسام مطلعها :

 

كم نهتهم صبابتي وغرامي           عن ذمي فما انتهوا عن ملامي

سكروا سكرة المدام فظنوا           أن سكر الهوى كسكر المدام

 

ويذكر ياقوت الحموي أن دخول جيش العزيز ملك مصر الفاطمي بقيادة الضابط التركي الأصل يلتكين دمشق وهزيمة قسام كان في محرم سنة 376هــ  وقد عرفه ياقوت قائلا: هو قسام الحارثي من  بني الحارث بن كعب باليمين هذا قسط مما رواء كتاب التاريخ عن تلفيتا ورجلها قسام الحارثي.

وفي زمن الاحتلال العثماني البغيض زج الكثير من أبنائها في آتون الحروب لم يرجع منهم إلا القليل .

كما هاجر بعضهم إلى أمريكا الجنوبية منهم من استقر هناك وآخرون عادوا .

وفي العهد الفرنسي كان لرجالات هذه القرية حضور قوي على ساحات النضال ضد المستعمرين وتعرض أهلها لأقسى أنواع التعذيب والتنكيل على أيدي الفرنسيين الذين أحرقوا منازلها عدة مرات بعد أن سلبوا ونهبوا ما فيها وحوادث الإيذاء والتعذيب هذه تكاد تسمعها من كل رجل في القرية أن أباه أو جدة قد تعرض لها وكان يحدث ذلك عقب كل ضربة موجعة ينزلها ثوار القرية بالتعاون مع رفاقهم من ثوار القلمون بالفرنسيين وكان يستحيل على حملة فرنسية تمر من أنحاء تلفيتا دون أن تترك ورائها عددا من الجند أشلاء هامدة وتخسر بعض قطع السلاح يقتنصها الثوار.

استشهد من أبنائها على أيدي الفرنسيين كل من أحمد محفوظ عائشة ومحمود محفوظ عائشة وعلي محفوظ عائشة وكانوا أخوة ثلاثة وعبد الباقي شلهوم ومحمود صالح شلهوم أخرجهم الفرنسيون من المغارة التي لجؤوا إليها وأعدموهم رميا بالرصاص ونجا حمود أسعد صالح شلهوم وكان معهم في المغارة .

وفي صراعنا مع العدو الصهيوني قدمت تلفيتا الشهداء محمود عبد الحميد شلهوم وعلي محمود يوسف وأسعد يوسف في حرب تشرين التحريرية عام1973 ومحمد حسين مخيبر عام 1983. وعلى يد الإخوان المسلمين استشهد حسن شلهوم عام 1982.

ويعمل سكانها البالغ عددهم حتى تاريخ 1/1/1997 (3817) نسمة بالزراعة البعلية وتنتج أرضها التين والعنب والحبوب وتوسعت في السنوات الأخيرة المشاريع الزراعية الحديثة وفيها أنواع مختلفة من الأشجار المثمرة إضافة إلى منشآت الدواجن وتربية المواشي التي كانوا يذهبون بها قديما إلى أرض الحماد شتاء وكانت فيها صناعة الدبس من العنب واشتهرت أرضها بمقالع الحجر الأبيض الذي كان ومازال يحمل إلى دمشق وغيرها .

ومنذ مطلع الستينات اتجه شبابها إلى السفر على الخطوط الخارجية بين شاطئ البحر المتوسط ودول الخليج العربي واليمن فتحسنت أحوال السكان المعيشية كثيرا من موارد هذا العمل مما انعكس على نهضتها العمرانية وأصبح هو المورد الأساسي لهم.