الموقع والحدود:              

تتميز معلولا بموقع يعد من أجمل المواقع و أعجبها على أرض سوريا قاطبة ً فالناظر إليها يتعب تأملا ً في تركيبة مساكنها المتعاشقة مع صخورها و يقف مندهشا ً أمام لوحة اختلطت فيها عجائب الطبيعة مع صنائع يد الإنسان في مشهد جمالي قلّ نظيره .

جدران صخرية قائمة تحتضن البلدة من جهات ثلاث شرقا ً وشمالا ًوغربا ًومن جهة الجنوب ينحدر واديها الذي تغطيه ظلال الأشجار الوارفة ترتوي من سواقي المياه القادمة من الفجين الشرقي و الغربي و منازل قديمة للسكان مطلية بالكلس الأزرق ترتسم على صدر ذلك الجدار الصخري الشاهق اكتظت متدرجة فوق بعضها البعض لا تشاهد فيها ممرا ً ولا معبرا ً قطعة واحدة كرقعة الشطرنج ومغاور وكهوف طبيعية و اصطناعية بيد الإنسان أينما اتجهت وتحت مساكنها القديمة و الكتل الصخرية الضخمة المعلقة على السفوح فوق منازلها في منظر مخيف يثير في النفس تساؤلا ًهاما وخطيرا ً حول مصير هذه البيوت و ساكنيها فيما إذا حصل اهتزاز ما في القشرة الأرضية لهذا الموقع ( لا قدّر الله ) أنها مسألة جديرة بالاهتمام و الأخذ بها على محمل الجدّ في وقت حدث فيها أكثر من زلزال في مناطق لا تبعد كثيرا ً عن هذا الموقع في السنوات الأخيرة .

وترتفع معلولا عن البحر 1400م ويجاورها من القرى الصرخة وبينهما 6كم إلى الشمال الشرقي و جبعدين 4كم إلى الجنوب الغربي و عين التينة 3كم جنوبا ً والقسطل20كم شرقا ً

و الجبة 10كم إلى الشمال الغربي . وهي مركز ناحية يتبع لها قرى الصرخة و جبعدين و عين التينة .

 

لمحة عن تقلبات تسميتها وتاريخها و نشاط سكانها :

كتب الأرشمنديت يوسف نصر الله عن  معلولا يقول :أما معلولا فيقول عنها دوسّو- مع شيء من الحيطة – إنها قلمونا( اسم لأحد المراكز في القلمون وردت في مصوربوتنجر ومن قبله مصور بتولومه ) غير أننا نستطيع أن نؤكد ذلك ففي معلولا ظهرت و تطورت أساطير القديسة تقلا إلا أن المصادر المقدسة المكتوبة الموثوقة منها وغير الموثوقة تروي أن هذه العذراء عاشت في آسيا الصغرى في مدينة قونيا وأنها سمعت فيها وعظ القديس بولس فاعتنقت النصرانية وهجرت خطيبها تاميريس وتبعت القديس المذكور إلى أنطا كية ومنها عادت إلى مسقط رأسها وعملت على إقناع والدتها لاعتناق الدين المسيحي , ومن ثم اتجهت إلى سلوقية وبذلت فيها قصارى جهدها لهداية الناس إلى الدين المذكور  ثم  ما لبثت أن انفردت في أحد الكهوف في جبل القلمون وأخذت ترشد النساء اللواتي كن يقصدنها مدفوعات بشهرة فضائلها فتعمل على تعليمهن بالقول تارة و بالعمل تارة أخرى ولكن فريقا ً من الأطباء السلوقيين – الذين ساءهم أن يروا المرض قاصدين القلمون يلتمسون الشفاء على يد هذه القديسة عوضا ً عن استشارتهم هم – اوغرصدر بعض الأشقياء الذين دخلوا الكهف ليقتلوها ينفذو بذلك مشروعهم الدنىء ولكن في هذه اللحظة بالذات انفتحت الصخرة قليلا ً ثم أغلقت من تلقاء نفسها على القديسة لتحميها من اعتداء المعتدين.

ويضيف الأب نصر الله قائلا ً : أن هذه المجموعة من الأساطير هي نفسها التي انتشرت في معلولا مع بعض الاختلافات المحلية وجعل تطورها من قرية صغيرة تقع في سفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية إلى تلك المدينة التي جلتها القديسة التي ذاعت شهرتها في الطقوس الدينية البيزنطية على أنها من أقدم الشهداء وأنافي مصافي الأنبياء .

وكان في معلولا فصيل من الفرسان والنبالة المواطنين , وذلك لأن هذه القرية الصغيرة كانت قديما ً عاصمة المقاطعة المسماة (كليما ما كلولون)- هذا في العهد الروماني – هذا الاسم اسم المقاطعة أو القبيلة ألحق فيما بعد بالعاصمة نفسها و حل محل الاسم البدائي قلمونا , ثم مرت الأيام فتحولت كلمة قلمونا إلى معلولا , ولكن ترى متى حصل هذا التغيير في الاسم ؟ من المحتمل أن يكون قد حصل ذلك في القرن الثالث عشر أو الرابع عشر. غير أن بعض المؤلفين ومنهم ياقوت الحموي لم يعرفوا معلولا إلا كاسم لمقاطعة إلا أن المخطوطة التي عثر عليها في سيناء من القرن الرابع عشر أتت على ذكرها تحت اسم معلولا وكانت هذه المخطوطة قد نسخت في الساعة السادسة من يوم الثلاثاء الواقع في 5 تموز سنة 6800 من قبل الشماس ابن معلا بن بامفيت من قرية معلولا .

وقد نحتت مساكنها الفسيحة الأرجاء و التي تتراوح أطوالها بين 5-8 م وعرضها 3-4 م في الصخر وكان بعضها متعدد الطوابق . ولكن هذا لا يعني أن جميع سكانها كانوا من سكان الكهوف , لأن في معلولا الحديثة مساكن بنيت من الحجارة و الآجر كانت تقوم فوق البيوت المحفورة في الصخر وكلا النوعين من المنازل يعطي المنطقة مظهرا ً متجانسا ً.

ومازال هذا القسم المرتفع من المدينة يحفظ حتى يومنا هذا اسم البيوت العالية ومع ذلك فهناك بعض المساكن التي أخذت تجتاح الممرات الضيقة الغربية لتتمركز في سفوح هذه المرتفعات وما زالت أثارها تدل عليها . فهذا الكثيب من الصخر الذي استخدم كمسكن للأحياء كان مرقدا ً للأموات في الجهة الجنوبية و في اتجاه الشمال فالكتابات و النسر المنحوت في أحد الكهوف وهو باسط جناحيه يكشف لنا اسم مقدم القربان والشعائر الدينية التي كانوا يقومون بها من أجل الموتى . وقد تبين لنا أن جانبا ً من هذا الكهف كان قد خصص للعبادة .

ويضيف المقال " هذا و إن ازدياد عدد سكان معلولا و تمركزهم في الأراضي الزراعية قد عمل على اتساعها و يدل على هذا الاتساع عدد الكنائس التي كانت قائمة في ذلك العصر  ( أي الروماني ) والتي عثرنا على اثني عشر منها أهمها كنيسة القديس ليونس و القديس الياس و القديس جورج وهي قائمة اليوم في مكان الكنائس البيزنطية و هناك كنائس أخرى

منها كنيسة القديس سابا والقديس توما وهي كنائس متهدمة يعاد الآن إحياؤها .

و إذ لم تكن معلولا في العهد الذي ندرسه (الروماني و البيزنطي ) مقرا ً للعرش الأسقفي إلا أن هذا لم يمنعها من أن تكون مركزا ً مسيحيا ً هاما ً للمنطقة كلها , إذ منذ القرن الخامس أو السادس شيّد فيها دير كبير يحمل اسم القديس سيرج - هو دير مار سركيس حاليا ً-الذي كان يجله البيزنطيون كل الإجلال "هذا المقال يتحدث عن معلولا في العهد الروماني و البيزنطي . وذكر معلولا ياقوت الحموي في معجم البلدان فقال نقلا ً عن أبي القاسم الحافظ : إقليم من نواحي دمشق له قرى . كما ذكرها الجغرافي بطليموس القلوذي وهو من الإسكندرية بمصر باسم Maglula .

ودُعيت باسم سلوقية الشام أو سلفكية الشام وفي سنة (1105 هجري ) مر بها الشيخ عبد الغني النابلسي في رحلته قادما ً من التواني و نظم شعرا ً من البحر المنسرح حيث قال :

لقد أتينا لأرض معلولا                      وكان فيها النسيم معلولا

وذيل تلك الرياض منسدلٌ                  لازال فيها بالطّلّ مبلولا

وقد جلسنا خلال مرجتها                    ندرك قصدا لنا و مدلولا

حتى اطمأنت بها الرفاق وقد               شهدت سيف المياه مسلولا

كربوة الشام في حدائقها                     من جاء باللطف جاء مشمولا

ومن نحاها فقد غدا رجلا                    طبق الرجا عاملا ً و معمولا

ومن معلولا توجه هذا الشيخ الرّحالة مع صحبه نحو يبرود سالكا ً السفوح الشرقية للسلسلة العليا وقد مرّ على قرية دنحة (الدائرة حاليا) وكانت عامرة آنذاك .

وفي أسفل قرية معلولا كان يوجد هيكل وثني قديم يدعونه حمام الملكة أو حمام الفسق كان من عادة القوم الاجتماع فيه رجالا ً ونساءً يتناولون الطعام والشراب بنوع من الإفراط ويرتكبون الفاحشة ويروى أن القديس بولس شهد ذات يوم ما يقوم به القوم فأنذرهم بغضب الله وكان ذلك قريبا ً إذ انهار الحمام على من كان فيه و منذ ذلك الحين أنشئت كنيسة بالقرب من الحمام المذكور سميت كنيسة التوبة.

وفي شرقي معلولا توجد كتلة صخرية بارتفاع حوالي أربعة أمتار في قمتها ثلاثة قبور نقرت في الصخرة وفي وجهها الشرقي نافر يمثل إلهين متقابلين الأول ملتحي يحف برأسه إكليل ذو ثلاثة عشر شعاعا ً ويرتدي عباءة يونانية معلقة على الكتف الأيمن و الثاني يمثل الربّة أثينا معتمرة بخوذة وفوق رأسيهما قوس من الكتابة الإغريقية .

ويتكلم سكان معلولا اللهجة السريانية ( الآرامية الغربية ) إلى جانب سكان قريتي جبعدين و الصرخة المجاورتين دون كتابتها وهي لغة السيد المسيح وقد توافد على هذه القرى الثلاث عدد من العلماء و الباحثين العرب الأجانب لدراسة هذه اللغة وكان للقرية سور يحزم بيوتها القديمة داخله مبني من الحجر وكانت الدور الملاصقة له تستدبر جدرانها الخلفية السور و أبوابها تتجه نحو الداخل باتجاه القرية زيادة في التحفظ و الحيطة .

والجدير ذكره أن معلولا تعدّ من أمهات قرى القلمون وقد سكن إنسان ما قبل التاريخ مغاورها و كهوفها الصخرية المنتشرة حول دير مار سركيس منذ العصور الحجرية و ما زالت بعض الآثار تشير إلى ذلك .

ومن ذكريات معلولا في العهد العثماني ما تعرضت له سنة 1850م من أعمال نهب لأرزاقها وتنكيل بسكانها على أيدي الجنود الأتراك الذين قتلوا أحد أبنائها من آل حداد عندما كان في المعصرة يصنع الدبس فألقوا به في الجعيلة وكان الدبس يغلي فيها وقد حدث ذلك أثر فرار الأمير محمد الحرفوش حاكم بعلبك آنذاك و لجوئه إلى معلولا بعد خروجه عن طاعة الدولة العثمانية و عجزه عن مواجهة الجيش التركي الذي سيّر إليه بقيادة مصطفى باشا و حوصر الأمير المذكور مع أنصاره في صخور معلولا وقتل بعضهم و أسر آخرون ثم نفتهم تركيا إلى جزيرة كريت وبعد انتهاء تلك الواجهة ارتد الأتراك على القرية و أنزلوا فيها النهب و الخراب في أرزاقها و بيوتها وفنون الأذى في سكانها .

وفي هذا العهد البغيض غادر القرية كثير من أبنائها في موجة الهجرة القلمونية إلى الأمريكيتين و يكاد لا يخلو بيت إلا و هاجر منه شخص أو أكثر عاد قليل منهم وبقي هناك أغلبهم و استقروا في مواطنهم الجديدة . كما جنّد العديد من أبنائها في الجيش التركي خاصة أيام سفر برلك (التجمع ) أغلبهم لم يرجع إلى أهله .

وفي صراعنا مع العدو الصهيوني قدمت معلولا الشهداء غطاس جريس شاهين و يوسف غطاس خوري عام 1973 م وأحمد عيد قطيمان على أرض لبنان الشقيق عام 1982 م .

أما عن نشاط سكانها البالغ عددهم حتى تاريخ 31/7/1997(4356) نسمة فقديما ً كان الاعتماد على الزراعة و تربية المواشي كمورد أساسي للعيش و كانت أرضها تنتج البطاطا و السماق و العنب وقليلاً من الحبوب و كانوا يربّون القز و ينتجون خيوط الحرير الطبيعي التي يذهبون بها إلى بعلبك ويجلبوا من هناك ورق التوت حيث أن الموجود في القرية من أشجاره لم يكن يكفي و كانوا يبادلون ثمر الخوخ بالشعير و الزبيب مع قرية التواني و بالبطاطا مع أهل يبرود و يصنعون العبي و البسط على النول اليدوي و المشروبات الكحولية من العنب . أما مياه الوادي التي تسقي بساتينها و المنحدرة من فجيّها فكانت جارية دون انقطاع صيفا ً و شتاء ً مما لا يحتاج معه إلى نظام توزيع لكن مع انخفاض صبيب تلك المياه في العقود الأخيرة ظهرت الحاجة إلى وضع نظام لتقسيم تلك المياه فاستعملوا لذلك الساعة الرملية . و كانت تلك المياه أيام غزارتها تدير عدد من الطواحين المائية . وحاليا ً يعمل بعض سكانها في المهن الحرة بدمشق و بعضهم في وظائف الدولة.